ما وراء القوة الناعمة الغربية: بروز الدبلوماسية الرياضية في الجنوب العالمي
لفترة طويلة، ارتبطت فكرة الدبلوماسية الرياضية وممارساتها أساسًا بالغرب. وقد ارتبطت بالحرب الباردة، وبالقومية الأولمبية، ولاحقًا بمفاهيم التنمية الليبرالية التي روّجت لها حكومات ومؤسسات في الشمال العالمي. وفي هذا السياق، كان الجنوب العالمي غالبًا موضوعًا للنقاش أكثر من كونه مصمّمًا للمشهد. كان بمثابة منصة ينخرط فيها الآخرون ويُدلون بآرائهم، أو أرضية أخلاقية لمبادرات تحمل «علامات» المانحين. غير أنّ هذا النهج بات أقل ترجيحًا يومًا بعد يوم.
لطالما كانت السياسة والرياضة متداخلتين. ولم يكن حديث الصدفة أن يقول Houlihan (2000) إن الرابط بين السياسة والرياضة كان دائمًا جوهريًا. وتُظهر «دبلوماسية تنس الطاولة» خلال الحرب الباردة كيف استُخدمت الرياضة في الماضي لإرسال رسائل جيوسياسية وإشارات دبلوماسية (Pigman, 2014). غير أنّ القوى الأكثر نفوذًا كانت في الغالب هي من يضع إطار تلك الرسائل وبُناها. وفي أحيان كثيرة، شكّلت هياكل مؤسسية صاغها فاعلون غربيون وأهدافهم أشكالًا مثل الفعاليات الكبرى، وتبادلات السفراء، ومبادرات «الرياضة من أجل التنمية» (Black and Peacock, 2013).
في مطلع الألفية الجديدة، زاد صعود برامج «الرياضة من أجل التنمية والسلام» (SDP) من اتساع هذا التباين. فالكثير من المبادرات استخدمت لغة عالمية عن التمكين وبناء السلام، لكنها عملت ضمن نموذج «نقليّ» تُنقل فيه المعرفة والمعايير والمؤشرات من «مراكز» مفترضة للسلطة إلى من هم خارجها (Coalter, 2010; Darnell, 2007). ويؤكد Darnell and Hayhurst (2011) أنه حتى مشاريع «الرياضة من أجل التنمية» ذات الدوافع الإيثارية قد تُبقي—عن غير قصد—بُنى القوة غير المتكافئة تحت غطاء الانخراط الخيّر. وغالبًا ما كان النجاح يُقاس وفق معايير يحددها المانحون، مثل الأهداف الإنمائية للألفية (MDGs) أو أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، بدلًا من معايير يضعها المجتمع المحلي نفسه.
ثمّة صلة وثيقة بين هذا الإرث المؤسسي والتاريخ الطويل للاستعمار في الرياضة الدولية. فقد جاءت إعادة إحياء الألعاب الأولمبية الحديثة على يد بيير دي كوبرتان ضمن مشروع حضاري متمركز أوروبيًا، نظر إلى الرياضة بوصفها أداة لترسيخ معايير أخلاقية معينة (Keys, 2019). كما أنّ FIFA، بقيادة ستانلي روس، لم تُجبر جنوب أفريقيا على الانسحاب خلال حقبة الفصل العنصري بحجة «الحياد السياسي»، بينما استمرت في السماح بالتمييز العرقي (Darby, 2013; Rofe and Tomlinson, 2019). ولم تكن هذه وقائع معزولة، بل عكست ظاهرة أوسع: الرياضة بوصفها بنية رمزية لتكريس أشكال محددة من القوة الناعمة.
اليوم، بدأت مناطق في الجنوب العالمي تبتكر طرقًا جديدة للتفكير. فالمغرب وقطر والسعودية لا تكتفي باتباع أعراف الدبلوماسية الرياضية، بل تعيد تشكيلها. إنها تعيد تعريف كيفية النظر إلى الرياضة عبر استضافة الفعاليات الكبرى، وبناء المهارات، وصناعة الحكايات. وهي تحوّل الرياضة إلى ساحة لكتابة الدبلوماسية، وتشكيل الهوية، وترسيخ الاتساق بين الرياضة والتنمية.
وتساعدنا النظرية البنائية في العلاقات الدولية على فهم هذا التحول. فالبنائية ترى أن السياسة العالمية تُبنى اجتماعيًا عبر المعاني المشتركة والمعايير والهويات، لا عبر القدرات المادية وحدها (Applefield et al., 2000; Barnett and Duvall, 2005). والشرعية والاعتراف والتأثير ليست ثوابت، بل بناءات مرنة تتشكل عبر التفاعل والتأويل. وفي هذا الإطار، تمنح الرياضة مساحة لاستعراض القدرات والتنافس على المكانة.
إن القوة الدبلوماسية للفعالية الكبرى لا تقوم فقط على البنية التحتية أو التغطية التلفزيونية. بل تتأثر أيضًا بكيف تُروى الحكاية، وما تُحدثه من أثر شعوري، ومدى انسجامها مع الخيال الجمعي. وتوضح فكرة بندكت أندرسون عن «الجماعات المتخيّلة» أن الطقوس المشتركة والفعاليات المتوسّطة إعلاميًا قادرة على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية. وهذه الطبقة السردية شديدة الأهمية لمشاريع الجنوب العالمي اليوم. فاستدعاء المغرب لخطاب «الوحدة الأفريقية»، وتركيز السعودية على «الأخوة الإسلامية» في بطولات إقليمية، كلاهما تحركات مقصودة لصناعة هوية.
وبهذا المعنى، تستطيع الدبلوماسية الرياضية في الجنوب العالمي أن تُسهم في وضع معايير جديدة. فالدول لا تسعى فقط إلى «تحسين صورتها»، بل إلى إعادة تشكيل قواعد الشرعية الدولية ذاتها. وهنا تبدو فكرة Kamrava (2013) عن «القوة الخفيّة» مناسبة. فالقوة الناعمة التقليدية، كما يشرح Nye (1990)، تعمل عبر التغطية الواسعة وجاذبية جماهيرية كبيرة. أمّا «القوة الخفيّة» فتضع الثقة في العلاقات، والترابط المدمج، والمصداقية المنتقاة في المقام الأول. إن القرب والانسجام—لا البهرجة الشكلية—هما ما يصنع النفوذ.
وتتضح ملامح هذا التحول عبر ثلاث نقاط أساسية:
أولًا: انتقالٌ من طلب «التصديق» في الغرب إلى السعي لـ«الرنين» في الجنوب. فالشرعية لم تعد تُقاس فقط باعتراف مؤسسات يورو-أطلسية، بل أيضًا بالاندماج في شبكات أفريقية وعربية وآسيوية وشبكات عابرة للأقاليم. والاستثمار في الاتحادات الإقليمية، وتبادلات الشباب، والتعاون في البنية التحتية بات يعمل «عبر» الأقاليم لا «عموديًا» من الأعلى إلى الأسفل.
ثانيًا: التحول من «أداءٍ رمزي» إلى «مكوّن حيوي» في المجتمع. ففي الأطر السابقة المتمركزة غربيًا، كان مفهوم «الإرث» غالبًا تابعًا لفعاليات كبرى تتطلب بنى تحتية ضخمة. أما التصورات الجديدة المنبثقة من الجنوب العالمي فتجعل الإرث جزءًا من التصميم منذ البداية. فبناء القدرات، وتمكين مشاركة النساء، وخلق فرص للشباب، وتحسين الأحياء—كلها تُعامل كأهداف رئيسية لا مكاسب جانبية. كما تتضح صلات البرامج بخطط التنمية الوطنية مثل أطر «رؤية 2030»، حيث تُدمج الرياضة ضمن تحولات اقتصادية واجتماعية أوسع.
ثالثًا: تصاعد الاهتمام بالسيطرة على السردية. فالرياضة تصبح وسيلة للدول كي تروي قصصها وتعرض طموحاتها، في مواجهة نظرة خارجية تختزلها أحيانًا في الأزمات أو القوالب الجاهزة. وهذا يتجاوز التسويق. إنه سعي لمساءلة معايير «التعريف الأصيل» ضمن الإطار العالمي. ويشير Murray and Pigman (2014) إلى أن الاتحادات الرياضية الدولية تعمل كمؤسسات دبلوماسية، وأن الاعتراف داخلها يمنح قوة رمزية. ومن خلال الفوز بحقوق الاستضافة، وحجز مواقع تنفيذية، وبناء تحالفات داعمة، يعيد فاعلو الجنوب العالمي تشكيل جغرافيا النفوذ المؤسسي.
لكن هذا التحول لا يحدث في فراغ محايد. فما تزال الفوارق المالية، وتركيز الإعلام، وهياكل الحوكمة الراسخة—والتي تتموضع إلى حد كبير في الشمال العالمي—تؤثر في النظام الرياضي العالمي. فالتعامل مع FIFA أو IOC أو الدوريات الأوروبية الكبرى يعني الانخراط مع مؤسسات عريقة تتمركز غالبًا في نصف الكرة الشمالي. وتُظهر رعاية الأندية الأوروبية والشراكات مع الاتحادات العالمية ديناميكية مزدوجة: بحثٌ عن سرديات جديدة، مع استمرار اعتمادٍ على أطر مؤسسية راسخة.
وتسلّط النظرية النقدية الضوء على هذا الالتباس. فبينما تركز البنائية على إنتاج المعنى، تفحص المقاربات النقدية المعاني المهيمنة والبُنى التي تُبقيها (Barnett and Duvall, 2005). تعمل الدبلوماسية الرياضية في الجنوب العالمي ضمن إطار متأثر بتسلسلات تاريخية، لكنها تكشف أيضًا عن محاولة لزيادة الوكالة. الهدف ليس استبدال قوة مهيمنة بأخرى، بل توسيع المجال الذي تُعرَّف فيه القوة وتُفهم.
ويتجلى هذا التطور في تغيّر «قواعد» الفعاليات الكبرى. إذ باتت معايير الأثر الاجتماعي والاستدامة والتنوّع أكثر حضورًا في عقود الاستضافة ومؤشرات التقييم. ولم يعد «الإرث» يعني فقط «تبرير الماضي»، بل أصبح يعني «تصميم المستقبل». وهذا التحول المعياري—الذي لا يكون دائمًا سهل التطبيق—يعكس رغبة المجتمع المدني والجهات المستضيفة الجديدة في تعريف للنجاح يتجاوز الشهرة والعوائد المالية.
ولا تقتصر الآثار على الرياضة. فإذا أمكن تحقيق الشرعية عبر تعبئة المجتمع، وصياغة مستقبل شامل، ودمج التنمية داخل «الاستعراض»، فإن الممارسة الدبلوماسية نفسها تتحول. يناقش Hocking (2016) كيف غيّرت الجهات غير الحكومية والحوكمة الشبكية طبيعة الدبلوماسية، وهو ما يظهر عبر الملحقين الرياضيين والتعاون مع جهات متعددة. وتتيح الرياضة منصة لتعاون فاعلين حكوميين وغير حكوميين في صناعة قصص ومؤسسات مشتركة.
ولا يعني ذلك أن هذا المجال بمنأى عن النقد. فما يزال خطر «التسخير الأداتي» قائمًا. وقد يتحول مفهوم «الإرث» إلى نسخة مزيفة من نفسه. ولمنع تضخّم السرديات، تبقى أنظمة المتابعة والتقييم ضرورية. كما أنّ رقابة المجتمع المدني ضرورية كي تتحول ادعاءات التنمية إلى تغييرات مؤسسية دائمة، لا مجرد اعتراف مؤقت.
ومع ذلك، فإن اختزال هذه التحولات في «تبييض الرياضة» (sportswashing) تبسيط مخلّ؛ لأنه يتجاهل التحولات البنيوية الجارية. ففاعلو الجنوب العالمي لا يستهلكون الأدوات الغربية فحسب، بل بدأوا يعيدون تركيبها من زوايا تاريخية وثقافية وجغرافية مختلفة. ومن خلال مساءلة احتكارات الاعتراف القائمة، يسعون إلى تعددية سردية أوسع.
لطالما اعتُبرت الرياضة هامشية في الدبلوماسية، لكنها باتت أكثر مركزية كأداة لتواصل الدول. إنها فضاء لاكتشاف الهوية، وبناء المعرفة المتبادلة، وإدارة الخلافات. إن دخول الجنوب العالمي إلى الدبلوماسية الرياضية لا يعني التقليد، بل إعادة هيكلة مقصودة لمصادر النفوذ ومعاييرها. وفي عالم يتجه نحو تعددية قطبية متزايدة، لم يعد هذا المجال مجرد مسرح تُعرض عليه القوة؛ بل صار موقعًا تُعاد فيه التفاوض على أوجه الشرعية الدولية المتعددة.
هذه المقالة القصيرة جزء من مشروع بحثي أوسع بعنوان: «الدبلوماسية الرياضية وريادة المعايير في الجنوب العالمي» قيد الإعداد حاليًا.
المراجع
Applefield, J.M., Huber, R. and Moallem, M. (2000) ‘Constructivism in theory and practice: Toward a better understanding’, The High School Journal, 84(2), pp. 35–53. Available at: https://www.jstor.org/stable/40364404
Barnett, M. and Duvall, R. (2005) ‘Power in international politics’, International Organization, 59(1), pp. 39–75.
Black, D. and Peacock, B. (2013) ‘Sport and foreign diplomacy: An expanding link’, in Cooper, A., Heine, J. and Thakur, R. (eds.) The Oxford Handbook of Modern Diplomacy. Oxford: Oxford University Press, pp. 708–725.
Coalter, F. (2010) ‘The politics of sport-for-development: Limited focus programmes and broad-reaching issues?’, International Review for the Sociology of Sport, 45(3), pp. 295–314.
Darby, P. (2013) ‘Stanley Rous’s “Own Goal”: Football politics, South Africa and the contest for the FIFA presidency in 1974’, in Football: From England to the World. London: Routledge, pp. 93–106.
Darby, P. (2013) ‘Stanley Rous’s “Own Goal”: Football politics, South Africa and the contest for the FIFA presidency in 1974’, in Football: From England to the World. London: Routledge, pp. 93–106.
Darnell, S.C. and Hayhurst, L.M.C. (2011) ‘Sport for decolonization: Exploring a new praxis of sport for development’, Progress in Development Studies, 11(3), pp. 183–196.
Hocking, B. (2016) ‘Non-state actors and the transformation of diplomacy’, in The Ashgate Research Companion to Non-State Actors. London: Routledge, pp. 225–236.
Houlihan, B. (2000) ‘Politics and sport’, in Coakley, J. and Dunning, E. (eds.) Handbook of Sports Studies. London: Sage, pp. 213–227.
Kamrava, M. (2013) Qatar: A Small State with Big Politics. Ithaca: Cornell University Press.
Keys, B.J. (2019) The Ideals of Global Sport: From Peace to Human Rights. Philadelphia: University of Pennsylvania Press.
Murray, S. and Pigman, G.A. (2014) ‘International sport and diplomacy’s public dimension’, Diplomacy & Statecraft, 25(1), pp. 94–114.
Nye, J.S. (1990) ‘Soft power’, Foreign Policy, (80), pp. 153–171. Available at: https://www.jstor.org/stable/1148580
Pigman, G.A. (2014) ‘International sport and diplomacy’s public dimension’, Diplomacy & Statecraft, 25(1), pp. 94–114.
Rofe, J.S. and Tomlinson, A. (2019) ‘The untold story of FIFA’s diplomacy and the 1966 World Cup: North Korea, Africa and Sir Stanley Rous’, The International History Review.

